دراسة نقدية لصلاح الدين بوجاه - ابراهيم درغوثي - رجل محترم جدا عن مجموعة قصصية بنفس العنوان

إبراهيم درغوثي

ابراهيم درغوثي : رجل محترم جدا / 1

صلاح الدين بوجاه *

تونس

تمهيد

يمكن أن تتماثل " القصّة " والرّواية بنيـة ومضمونا حتّى يعسر التمييز بينهما، في هذا الزمن الذي أصبح فيه فنّ السّرد يعتمد التجزئة والتشظّي وكسر البنية التقليدية.

فالكثير من رويات إبراهيم الدرغوثي، وسواه، تعتمد في صياغة بنيتها نصوصا شتّى... بعضها طويل وبعضها قصير، قائمة فيما بينها على التراكب والتعاطف السردي والتّضمين.

لهذا يسهل اليوم الحديث – مثل نقّاد الشّعر – عن كسر عمود القصة والرواية والخروج عليه ونشدان بنية جديدة، تكون قادرة على استيعاب الأغراض المستحدثة والإيحاء بها والتعبير عنها.

من اليسير ملاحظة هذا في روايات الدرغوثي، و"الدراويش يعودون إلى المنفى" واحدة منها، فهو يستعير أدوات الفصل/ والتجزئة/ والتهشيم/ ليجعل قارئه إزاء نبذٍ من نصوص، وشتات من شظايا نصوص ... يسهم القارئ في لمّ ما تفرّق وتجميع ما تكسّر منها.

ولا نشكّ في أن من يعاشر نصوص الدرغوثي الرّوائية يسعى إلى الوقوع على قانون الكسر والتفريق هذا. فإذا ما نشأت لديه هذه المللة رغب في تطبيقها على نصوص أخرى للكتاب نفسه، هي النصوص القصصية.

والحقّ أن نصوص الدرغوثي القصصية لمن يتأمّلها "رجل محترم جدا"، في شكل روايات قد كسر فيهما عمود السّرد التقليدي فأضحت شتاتا من النصوص، والمشاهد الحوارية، والتصديرات، ومختلف وجوه التضمين، يمكن ردّها - في الذهن على الأقل – إلى أصولها... أو إلى المفترض أنه أصولها، أي إلى هيئة الرواية، أو ما يشبه الرواية.

* جامعي تونسي

1- ابراهيم درغوثي : رجل محترم جدّا (قصص قصيرة ) دار سحر – تونس 1996

قد يستند معترض إلى أنّ للقصة القصيرة، كما للرواية، فنّيات خاصة تولد لحظة الكتابة، فيبرز كلّ عمل في شكله، أو قل: « إن كل عمل ينبجس مع شكله ! »، وفي هذا كلام مقنع كثير. بيد أنّ تأمل أعمال الدرغوثي – من قصة ورواية – يحمل على استنتاجات أخرى شتّى... هي في النهاية، ورغم مكابرة بعض الأصدقاء، استنتاجات تعني جيلا كاملا ممن ظهر انتاجهم مع كاتبنا أو قبله، أو بعده بقليل، على افتراض أنّ للجيل ثلاثين سنة تقريبا للبروز واتخاذ صفاتٍ جامعة مانعة.

قصص المجموعة

وحدات مجموعة "رجل محترم جدّا" هي على التوالي: رجل محترم جدّا/ الكلب/ ثلاث قصص قصية جدّا/ الحدأة والصّياد/ الجريمة والعقاب – ومدارها الموت/ القبر/ المومس/ الجثّة/ التعذيب في السجن/ الوطء/ اللواط ...

تستهل المجموعة بقوله النفّري الشهيرة :" كلّما اتسعت الرؤية ... ضاقت العبارة"، وتقوم على تضمينات كثيرة شتّى ... منها في القصة الأولى: شذرات للشيخ العارف أبي عبد الله محمد بي أبي بكر علي النفزاوي، في كتابه الروض العاطر، وابن شداد، ورأس الغول وكتاب دلائل الخيرات، والمنفرجة، ومدائح الرسول، وديوان المتنبي وبين القصرين، وكتب بالعبرية والإيطالية والمالطية والفرنسية، وتاريخ نابليون، ولويس الرابع عشر، والملكة الرقيقة، والأغاني الهابطة، ولينين، والأغاني الشعبية، والمبغى الشعبي في المدينة العتيقة... ثم صالحة. وصالحة هذه قطب الرحى ففي القصة الأولى، يعود إليها الكاتب، إلى الزمن القديم، إلى حياة الطلب والتحصيل والثورة...

... عبر تداعيات متراكبة ... يدرك القارئ أنّ صالحة هذه هي " التي أجارت الراوي " وهو يهرب من الشرطة في ذلك الزمن القديم، وهو يؤمن بوجوب « اغلاق دور البغاء ، وتشغيل العاملات فيها في المصانع والمعامل التي ستحدثها الثورة ! »

وعبر إعمال بسيط للخيال ... في إمكان القارئ أيضا أن يدرك أنّ المجموعة يمكن أن ترتبط بهذه القصة الأولى فتكون مجرّد صدى لها... حتى أنّ تغييرا بسيطا لبعض أسماء الشخصيات يمكنه أن يؤدّي إلى كتابة نص واحد موحّد على شيء من التكامل والسّلاسة !

في خطّ دقيق يفصل بين ركوب البلاغة وركوب العجيب... يمضي الكاتب لاعنا الخيانة التي تجعل الراوي يتماهى مع الكلب. ثم يعمد في قصة "الحدأة والصياد" إلى مسألة الظّلم في فلسطين الذي ينغص على الناس حياتهم في الواقع والتلفزيون، في الغيبة والعلن، في الجماعة والانفراد.

أما القصة الأخيرة الموسوسة "بالجريمة والعقاب"، فتغوص في الصلة بين الضحية والجلاد، وتثير مسألة الاغتصاب في السجن، في مختلف أبعاده، المادية والمعنوية...

والحقّ أن قضايا " الرجل الكلب/ والعنف المجسّم/ والجلاّد والضحية" يمكن أن تكون تنويعات جانبية على الحكاية الأولى التي استهلّت بها المجموعة، وهي قصة " رجل محترم جدّا"

قد يحتجّ البعض بأن في ما ذهبنا إليه ههنا تعسّفا، أو تمحّلا لتخريجات مفتعلة لأنّ النصوص المدروسة قد ولدت هكذا... حتى أنه ليعدّ من باب ليّ أعناقها أن نقصد بها مقاصد أخرى...

بيد أن احتجاجنا على ذلك يلبث بردّ الروايات على القصص، وردّ القصص، على الرويات... أو قل إليها... حينها نقع على ناموس البينة عند الدرغوثي.

فرواية " الدراويش يعودون إلى المنفى " على سبيل الذكر، وبمجمل إيجاز التصديرات والتضمينات والتعاليق الذي يصف بها، ترتدّ إلى جملة من الجوانب في حياة الراوي وصاحبه درويش.

فهبّ أننا قد غيّرنا اسم " درويش " ثمّ أزلنا بعض الترجيعات المتكررة من فصل إلى آخر... هادفين إلى التعمية وإضاعة السبيل... !

لن أجزم بشيء!

لكنّي أقول إنّــه في الإمكان الحصول على قصص قصيرة قد يبلغ عددها ثلاثة عشر فصلا... وقد يكون أدنى من ذلك!

وجوه التقارب بين القصص:

فإذا أحصينا وجوه اللّقيا بين القصص ألفيناها كثيرة. بعضها يرجع إلى البينة، وبعضها إلى الأغراض، أما أساليبها فواحدة.

وكنّا قد أشرنا إلى أنّ أغلب قصص المجموعة يمكن – بشيء من التحرير – أن تعود، أو تتآلف، أو تلتقي مع الخطوط الكبرى في القصة الأولى... حتى تكوّن نصّا طويلا، أو قل حتى تكوّن رواية.

فقصة الكلب يمكن إيرادها مباشرة بعد هروب الراوي من شارع خلفي وقوله في الصفحة22 : « وكلاب البوليس تنبح وتبول على أرجل المارة! اندسست بين العابرين وعدت إلى مبيت الجامعة ».

أما " ثلاثة قصص قصيرة جدّا " فيمكن الزّجّ بها تباعا عبر مفاصل القصة الأولى... دون كبير عناء:

- " رماد جهنم": يمكن أن تكون العودة إلى حضن الأم هروبا من آلام الحاضر.

- وفي " لمن تقرع الأجراس": العالم المعادي هو ذاته.

- وفي ' أعشاش الحمام البرّي' : عودة إلى الماضي، نظير العودة في القصة الأولى تماما.

أما بين' الصياد والحدأة''/ 'والجريمة والعقاب' فوجوه لقيا العجيب شتّى كثيرة:

« رأيت داخل البطن خرفانا ترعى، ورعاة يغنون، وكلابا تجري هنا وهناك، ورأيت ذئبا تلعق دماء الفرائس »

وله أن يضيف ما يشاء، كان يقول: ورأيت حدأة تطير. والحقّ أنه أضاف لدى نهاية القصة: « عندما رفعت عيني نحوها رأيت عجبا.

كانت المرأة تتحول شيئا فشيئا إلى طائر، نبت لها جناحان، واكتسى جلدها، صارت المرأة حدأة، أرثمت على وجهي. أكلت عيني اليمنى. ثم اليسرى وطارت... » ص(65)... أما القصة الأخيرة " الجريمة والعقاب " فمفعمة عجيبا:

- «... وأنا أتزوّج " حور العين " في الصباح وأطلّقهنّ ليلا. ويا موزّع البريد ماذا تريد؟

صاحبك سافر إلى: درب التبّانة » ص(71)

- « قال حين رأى العجوز تغادر القبر الذي نفضت التراب عن بابه منذ حين: " إلى أين تذهب العجوز قلت: ستعود بصينية الشاي واللوز المحمّر. ص (73)

- سار أمامنا إلى أن وصل إلى مكان القبر.

قال: " احفر هنا " !

وانشقّت الأرض وزلزلت زلزالها.

وقامت القيامة ص (85)

كيف يمكن أن تكون رواية؟:

في الإمكان إذن، ومشاركة منّا للدغوثي في إبداعه، أن نجعل من القصة الأولى " رجل محترم جدّا " حكاية إطارية كبرى... وأن نزجّ ببقية القصص داخلها، مع تغيير لبعض أسماء الشخصيات، أو حتى مع الحفاظ عليها، فنكون إزاء بناء طريف... لا يختلف كثيرا عن بناء أيّ نصّ من أعمال الدرغوثي.

فالكلب مجرّد تنويع على العلاقة بين الطالب القديم [ والرجل المحترم جدّا الآن ] والمومس، والصياد يمكن أن يكون تنويعا ثانيا على شخصية الطالب... أما الحدأة سارقة العين فمن اليسير أن تكون الصالحة القهرمانة، أو احدى الفتيات النزيلات عندها... ثم تختتمّ الرواية بإثارة مسألة الجريمة والعقاب، والسجن والجلاّد والضحية.

ندرك جيّدا أنّ المجموعة عن ولدت، وعرفت بين الناس، على إنّما مجموعة، أنها قد رغبنا هنا أن نعلن سهولة تحويلها إلى رواية، أو قصة على غرار قصص " ألف ليلة وليلة " الأثيرة جدّا من حيث البينة والأسلوب على إبراهيم الدرغوثي.

ختــــــــــــم :

إنّ استراتيجيا السرد عند الدّرغوثي تقوم على غاية كبرى واحدة إذن، غاية التفكيك والفصل... بلوغا للعناصر المفردة في الموضوع والبينة والأسلوب...

الرواية هي تفتيت للرواية، وتمييز لوحداتها، بعضها من البعض الآخر، واستدراج للجوهر الأول، أو قل للأصل الذي يكوّنها، وهو مجرّد عناصر أولى تتراكب وتتطابق وتتواظف لتكوين الرواية.

كذا تكون القصة القصيرة أيضا... تفتيتا لكيان القصة القصيرة، وإرجاء لكتابتها وتجميعها، استراتيجيا الكتابة عنده تمضي على خطّ مغاير للسائد، مناقض للمتعارف عليه، وتنشد التفصيل في حين ينشد غيره التجميع، وتبحث عن العناصر المفردة في حين يصبو غيره إلى الصّور المتكاملة.

التصديرات، والشواهد، والأصول مفصلة، جميعها تسير إلى غاية واحدة... تتوق إلى التهيّؤ إزاء القارئ في شكل وحدات أولى، مبدئية... على أهبة التطابق أو التراكب، فلنقل إذن إن الكتابة السردية عند الدرغوثي، سواء كانت رواية أو قصة قصيرة، مجرّد كتابة على أهبة أن تكون الرّواية شذرات تتأهب إلى أن تكون رواية، والقصة نبذ تتهيأ لتكون قصّة !

وهل الكائن، وهل الوجود غير شذر مذر في زمن لا بقاء فيه للإنسان، ولا جدوى فيه للقيم... ولا بقاء فيه للأصل الواحد الثابت.

القصة كما الرواية، عند الدرغوثي استحضار صريح لهذا التفتت الكياني المنبني على الاندثار والتوزّع... واستراتيجيا الكتابة عنده هي استراتيجيا التعامل مع الهباءات في زمن الهباءات! أفلا يكون إبراهيم الدرغوثي، على هذا الاعتبار، رجلا محترما جدّ! ؟

صلاح الدين بوجاه

تونس

ألقيت هذه المداخلة بمناسبة انعقاد " الملتقى الوطني الأوّل للقصة القصيرة بمساكن / تونس

تحت عنوان : "تداخل الأجناس في القصّة القصيرة التونسية" .

أيام 24 و 25 و 26 جانفي /يناير 2003

 

Added On: 2006-09-08

أرشيف الكاتب

الاسم:

التعليق:

New Page 1
New Page 1