رواية مولد سيدي بسيسة

د.ياسر منجي

                              افتتاحية الرواية

 

    وجدت العبارات الآتية مكتوبة بمداد أحمر، على رق مطوي و محشور في شق بأحد الألواح الخشبية العتيقة السبعة التي كانت تدعم سقف ضريح "سيدي بسيسة"، و ذلك عقب هدم السقف القديم لاستبداله بآخر من الخرسانة المسلحة:

[ أما بعد،

    فهذه خلاصة مما تناهى إلينا و وقعنا عليه من تاريخ العارف الأكبر و الكبريت الأحمر و مسك العلوم الأزفر، سيدي الشيخ "بسيسة" دفين "أرض الزغل".

    و كنا قد تحصلنا على ترجمته بخط محسوبه و تلميذه و خادم ضريحه [ساقط في الأصل] غفر الله له و نفعه ببركة مخدومه آمين. 

    و على هامشه كتاب (الدرة النفيسة في مآثر مولاي بسيسة)، و أكثره ساقط للأسف و أغلب ظننا أنه بفعل جهل الجاهلين و حسد الحاسدين.

    و يليه كتاب (ما كان من أمر الدنيا و ما يكون إلى يوم الوعد المكنون) و هو درة فريدة في بابه؛ إذ حوى من المعارف التاريخية و أسرار سير الأولين و المتأخرين ما تعجز عن خطه أقلام العلماء الراسخين و الأئمة الواصلين، و الثابت لدينا أنه من قبيل الفتح اللدني و الإلهام الكشفي؛ إذ يعرف قارئه بمقتضاه ما حدث و ما يحدث (إلى هنا و يتوقف القلم خشية الانزلاق إلى الكبائر بعد اللمم). 

    و قد رأينا أن نكتفي منه بما تيسرت لنا الإحاطة به من بدء ولادة المكابد الصابر و المبتلى الشاكر، الشيخ "صادق بسيسة" الذي يكفيه شرفا أن يكون اسمه مشتقا من اسم مولانا الأكبر، و قد رأينا أن في ذلك الكفاية من حيث إن كثيرا من أهل التصنيف و كتاب التواريخ كانوا قد سبقونا إلى تأريخ أحداث الدنيا منذ خلق "آدم" عليه السلام و ما كان من عصيانه و هبوطه إلى دار الفناء و البلاء، مرورا بتواريخ الأمم الغابرة و سير الأولين و الصالحين، فلم نرد أن نكرر ما سبقنا إليه المتقدمون و رأينا مبتغانا في أن نسوق للمتأخرين ما فيه العظة و المزدجر من تراجم المحدثين الذين نالتهم فيوض من بركة "سيدي بسيسة". ]

    يلي ذلك تآكل في الرق و اختلاط في المداد على نحو يصعب معه الحصول على معنى مترابط، فيما عدا سطر واحد أشار إلى مكان مجلد زعم كاتب الرق أنه النسخة الوحيدة المتبقية التي سطرها آخر فرد من أفراد "آل بسيسة" اعتمادا على ما تبقى في ذاكرته من سيرتهم، و ما اطلع عليه في الكتب المذكورة سابقا قبل أن يحرقها خشية أن تقع في يد من لا يستحق.

    و حين عثرنا على المجلد، وجدناه مغلفا بغلاف عنون بعنوان لأحد مصنفات التصوف و موضوعا ضمن الكتب العديدة المحيطة بقبر "سيدي بسيسة" المكسو بالحرير الأخضر.   

                                                      عام 1896

                                                   1

    تحسست "ستوتة" ملمس الطلاء الجيري المتشقق بأناملها المصبوغة بحناء بهت لونها. أخذت تمر بكفيها على الجدار الطيني المغطى بطبقة من الكلس المتآكل التي كشفت عنها شقوق الطلاء، لتبين حفرا و أخاديد و نتوءات تغزل وشما عتيقا على الحائط الخارجي لضريح "سيدي بسيسة".

    كان الضريح يقبع متوحدا، محاطا بفضاء شاسع من الأرض المنزرعة التي لا يقطع استرسالها سوى خط مرتعش رمادي اللون، يرسم على استحياء هياكل البيوت الطينية شرقي البلد، يقابله من الغرب - و بنفس القدر من البعد الشاسع عن الضريح – نقاط بيضاء متراصة، تبدو لعين الغريب كتجمعات أبي قردان على رؤوس الحقول، بينما تتوجه إليها عيون أهل البلد حين تحن الذكرى للراحلين إلى غير رجعة و يتدفق الوفاء على الألسنة مشفوعا بقراءة الفاتحة.

    المعلم الوحيد الذي ارتبط بضريح "سيدي بسيسة" و اقترب منه إلى درجة اعتباره جزءا ممتدا من كيانه كان هو بئر الساقية العتيقة التي تقع على مرمى حجر من الضريح، و التي توقفت منذ زمن غير معلوم عن ممارسة دورها الاعتيادي في سقيا الأرض، متحولة إلى سبيل موقوف على ضريح "سيدي بسيسة" و زواره فاكتسبت مع الزمن لقب "ساقية سيدي بسيسة".

    لم يكن أحد من أهل البلد يعلم متى بني ضريح "سيدي بسيسة" و لم يكن أحد يعلم من هو "سيدي بسيسة " على وجه التحقيق، و برغم تعدد الأذهان المعمرة التي تحكي قصصا عن أصل كل شيء في البلد، و برغم الذخيرة الجاهزة دوما لتفسير كل شيء في الكون – بداية من كيفية الخلق نفسها و انتهاء بأسباب إنفاذ إيطاليا لمن ينوب عنها في عقد وفاق الصلح مع النجاشي "منيلك" على أثر الحروب الأخيرة – إلا أن الجميع قد عجزوا عن إبداء أية تفسيرات بشأن الأسباب التي دفعت الأجداد لتبجيل "سيدي بسيسة" على هذا النحو، و تنصيبه وليا حاميا للبلد و واسطة عقد لتخطيطها المعماري الدنيوي و الأخروي، و مركزا عتيدا لاستقبال شكاوى أهل البلد و مخاوفهم و آمالهم المشكوك بتحققها.

    غاية ما يعرفه الجميع أن ضريح "سيدي بسيسة" هو مستقر أقوى الأسرار الروحية في زمام البلد و القرى المحيطة بها؛ إلى الحد الذي جعل من مولده السنوي موعدا منتظما لالتقاء الآلاف من سكان البلد و الوافدين عليها، حاملين نذورا تعكس تباينات طبقية واسعة المدى. و الأغلب أن هذه الأسرار الروحية هي ذاتها التي تسببت في منع حكماء البلد من تلفيق أية حكايات مكذوبة عن أصل "سيدي بسيسة" خوفا من بطشه، مكتفين بالحكايات المتواترة عن معجزاته و كراماته التي خبرها الكثيرون على مر السنين، و الأغلب أيضا أنها هي السبب في عدم الاجتراء على تناول المبنى الصغير للضريح بالتعديل أو الإضافة – برغم سخاء النذور و الهبات – إلا في حالات الضرورة القصوى التي يفرضها تصدع واضح في أحد الجدران أو انهيار أجزاء من القبة الخضراء بفعل توالي الشمس و الأمطار أو انهيار قمة بئر الساقية لأي سبب من الأسباب، فاقتصرت علامات السخاء على تكدس أفخر الأنواع من أوشحة الحرير الأخضر و الأبيض التي تكسو القبر بادية للعيان من شبابيك الضريح الأربع، محاطة بعشرات المصاحف الفاخرة الواردة من رحلات الحج التي لا يستطيع سوى الأغنياء إليها سبيلا، مسجلين امتنانهم بالعودة من الرحلة الخطيرة التي كانت تتم على ظهور الجمال. إلا أن أفخر الذخائر التي تمتع بها ضريح "سيدي بسيسة" و أكثرها قداسة كانت قطعة صغيرة من كسوة الكعبة، قدمها "حيدر نامق باشا" حين أعيته الحيلة في شفاء الشلل الذي ألم بنصفه الأيسر، فنصحه البعض بزيارة "سيدي بسيسة" و النذر له و الاغتسال من ماء الساقية. و برغم وفاة "حيدر نامق باشا" بعد فترة وجيزة من زيارته لضريح "سيدي بسيسة" إلا أن قطعة الكسوة المقدسة ظلت دليلا دامغا على تفوق "سيدي بسيسة" على أقرانه من أولياء القرى المجاورة، و مثارا لفخر البلد و عنوانا على قيمتها و ثقلها الاعتباري بين هذه القرى.

    طافت "ستوتة" بجدران الضريح و هي تواصل تحسس الملمس الجيري ذي الأخاديد، فأخذت تتداعى على ذهنها ذكريات طفولتها حين كانت تداعب جدها الطاعن في السن، متحسسة الأخاديد العميقة في تجاعيد وجهه و هو يحكي لها قصصا أسطورية عن كرامات و معجزات "سيدي بسيسة" التي جبرت خواطر المكسورين و الحزانى.

    كانت "ستوتة" و هي تطوف بالضريح ملتصقة بجداره المتآكل تتقلب في أحاسيس شتى من الجزع اليائس و الأمل الواثق في كرامات الولي العتيد، و مع تكرار طوافها الملتصق بالبناء المتآكل أتت عليها لحظة من الزمن غير محددة الطول، فقدت فيها اتصالها بكل ما يحيط بها من فضاء البلد الشاسع بمزروعاته الممتدة، فلم تعد تشعر بخفق الهواء في ثنايا حبرتها السوداء و لا بصوت الحدأة التي تحوم قريبا في انتظار سنوح فرصة القنص. كل ما كانت تعيه حواس "ستوتة" هو ملمس الشقوق الطينية، و توالي التغيرات في انحناء و بروز جدار الضريح و تعاقب نوبات الأمل بخروجها إلى الجانب المضيء المواجه للشمس من الضريح، وانقضاض نوبات اليأس بدخولها في منطقة الظل بالجانب الآخر.

-         و النبي يا "سيدي بسيسة"، و حياة مقامك الطاهر و النبي.... تجبر بخاطري و ما تردنيش مكسورة.... و النبي يا "سيدي بسيسة" و النبي، حتة عيل يبرد ناري و يثبت قدمي في دار جوزي و يكسف عوازلي.

-         و النبي يا "سيدي بسيسة"، و حياة الكسوة الطاهرة اللي مشرفة مقامك الطاهر... حتة عيل و أنا قابلة به و لو يكون فيه علة، كله حلو منك يا "سيدي بسيسة" و لو يكون أعمى و لو يكون أعرج.... و النبي يا "سيدي بسيسة".

-         و رحمة النبي "محمد" يا "سيدي بسيسة" إن ربنا جبر بخاطري بولد لاسميه "بسيسة" على إسمك و اوهبه لخدمة القرآن و العلم الشرعي... و النبي يا "سيدي بسيسة".

صرخت الحدأة و هي تنقض على أحد جرذان الحقل، انتفضت "ستوتة" لترمق الحدأة و للحظة خاطفة خيل إليها أنها رسمت بامتداد جناحيها الخافقين شكلا مصغرا لحبرتها السوداء، و تناهى إلى سمعها صرير عتيق من أخشاب الساقية، غير أنه بدا لدهشتها كما لو كان صادرا من داخل الضريح نفسه.

 

                                              آخر إصداراتي الأدبية

                                      مولد سيدي بسيسة

                 رواية

                                          د. ياسر منجي

 

             دار هلا للنشر و التوزيع

6 شارع الدكتور حجازي، الصحفيين – الجيزة – جمهورية مصر العربية. 

تليفون: 33041421 (202)

فاكس: 33449139 (202) 

الموقع الإلكتروني: www.halapublishing.net

البريد الإلكتروني: hala@halapublishing.net

مدير التسويق: hazim@halapublishing.net

 

 

Added On: 2007-08-04

أرشيف الكاتب

الاسم:

التعليق:

New Page 1
New Page 1